المقريزي

189

إمتاع الأسماع

وكان في سفر فنزل إلى الصلاة ثم كر راجعا ، فقيل : يا رسول الله ، أين تريد ؟ أعقل ناقتي فقالوا : نحن نعقلها . قال : لا يستعين أحدكم بالناس في قضمة من سواك . وكان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر . وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث انتهى به المجلس ، ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه . لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ، وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم صلى الله عليه وسلم حتى يقوم الذي جلس إليه ، إلا أن يستعجله أمر فيستأذنه ، ولا يقابل أحدا بما يكره ، ولا يجزي السيئة بمثلها . بل يعفو ويصفح . وكان يعود المرضى ويحب المساكين ويجالسهم . ويشهد جنائزهم . ولا يحقر فقيرا لفقره ، ولا يهاب ملكا لملكه ، ويعظم النعمة وإن قلت . ولا يذم منها شيئا : وما عاب طعاما قط ، إن اشتهاه أكله وإلا تركه . وكان يحفظ جاره ويكرم ضيفه ، وكان أكثر الناس تبسما ، وأحسنهم بشرا ، ولا يمضي له وقت في غير عمل الله ، أو فيما لا بد منه ، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، إلا أن يكون إثما أو قطيعة رحم فيكون أبعد الناس منه . وكان يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويخدم في مهنة أهله ، ويقطع اللحم معهن ، ويركب الفرس والبغل والحمار ، ويردف خلفه عبده أو غيره من الناس ، ويمسح وجه فرسه بطرف ردائه . وكان يحب الفأل ويكره الطيرة ، وإذا جاءه ما يحب قال : الحمد لله رب العالمين ، وإذا جاء ما يكره قال : الحمد لله على كل حال ، وإذا رفع الطعام من بين يديه قال : الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا وجعلنا مسلمين . وكان أكثر جلوسه وهو مستقبل القبلة ، ويكثر ذكر الله تعالى ، ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ، ويستغفر في المجلس الواحد مائة مرة ، وكان يسمع لصدره وهو في الصلاة أزيز كأزيز المرجل من البكاء ، وكان يقوم الليل في الصلاة حتى ورمت قدماه . وكان يصوم الاثنين والخميس ، وثلاثة أيام من كل شهر ، وعاشوراء . وقلما كان يفطر يوم الجمعة ، وكان أكثر صيامه في شعبان ، وكان يصوم حتى يقال : لا يفطر ، ويفطر حتى يقال : لا يصوم .